

الشباب الصحراوي بين مهاجر الى جحيم وباقي على جمر

السالك سلوح
«إنه لمن السخافة أن تسال أي شاب صحراوي عاش التهميش هذا السؤال, فالتأشيرة بالنسبة لنا هي الحلم الوحيد..» بهذا الكلام رد علينا شاب سألناه في إيطار جمع الآراء حول ظاهرة الهجرة وقد كان السؤال الموجه هو هل تريد الحصول على تأشيرة ؟ ...ولماذا؟ .
المستقبل تستطلع
شمل الاستطلاع الذي أجرته المستقبل الصحراوي 540 شابا وشابة بين 17 و 35 سنة من مختلف شرائح الشباب الصحراوي , من مثقفين , خرجين ودارسين معاهد وجامعات, بطالين وموظفين في الدولة وحتى أصحاب المهام الحرة أو "التبتابة" , وقد تباينت الاسباب بالرغم من أن الجواب الغالب هو "نعم" أريد الحصول على تأشيرة...فقد قال أحدهم نعم أريد الحصول على تأشيرة ولكن لم تتركوا لي متسعا لأكتب الأسباب ولاني لا أستطيع تلخيصها في سطر من الكلمات.
-أردنا الحصول على الاراء مع جمع الأسباب أو الدواعي مهما كانت الإجابة بالنفي أو بالقبول دون الخوض في التفسيرات, في إيطار سلسلة التحقيقات التي تجريها المستقبل الصحرواي ولنحاول جادين في كل مرة لفت إنتباه الجميع والمسؤولين خاصة لخطورة إحدى الظواهر التي تمس مستقبل الدولة الفتية وأهم شريحة فيها.
فحتى ساعة تحرير هذه الأسطر لم نسمع في كلام الرسميين عندنا أن السلطة تكترث أولا تكترث بجدية أو خطورة وانعكاسات أن يهاجر الشباب من «زبدة المجتمع» إلى حيث لا يدرون , كما لا يعي المسؤولين الأسباب لكل ذلك، ولو كان الأمر عكس ما نزعم لما أصبحت إسبانيا «جنة الصحراويين» كما وصفها أحد الشبان الذين شملهم الاستطلاع , فما مجموعة 470 من الأشخاص يريدون الحصول على تأشيرة ( Visa) من اصل 540 أي نسبة 87% .
العيش الهنيء وكسب الرزق، الحياة الأفضل, العلاج وحتى الترفيه ، كلها مبررات صاغتها أراء من أرادوا الهروب من الواقع الحالي إلى ما وراء البحر لنفض غبار سنوات اللجوء في الحمادة.
يقول احدهم «أنا مثلا جربت كل شيء العمل في التنظيم, الأعمال الحرة أو "التبتيب" وكذلك التسكع وفي كل مرة أتجرع مرارة الفشل ولم يبق لي إلا أن أبحث عن جواز سفر وتأشيرة..» ويقول آخر «يحز فيا أن أرى اليوم زملاء الأمس يتباهون بالسيارات الفخمة والحياة السعيدة كما وصفها, وأنا هنا تائه لا أملك حتى ثمن سجارتي وتطلب مني أن أبقى؟ !.. وقت ما سمحت لي الفرصة سوف أرحل ولا يهمني الى أين فليس لدي هنا شيء يأخذني إليه الحنين .
الشابة ... والامل المفقود
وتقول خريجة جامعية أنه طال انتظارها لتظفر بمنصب عمل ولربما عملية توظيفهن ليست واردة أصلا , ولهذا عليهن انتظار الجمعيات الأجنبية ببرامجها الخيرية فقط أما غير ذلك فهي ليست حتى حلول جزئية تدغدغ الامال فقط ثم تستحيل إلى ربح أمل لن يتبلور منها أبدا حلا حتى لا تقول حلا شاملا كاملا متكاملا ، فهي الأخرى إن حالفها الحظ في الحصول على تأشيرة وأسبانيا هي الوجهة المفضلة.
جنات الغير
وفي رأي مخالف قال آخر أنه جرب الغربة وذاق مرارة فراق الأهل والخلان , فهو كذلك خريج كان يفترض به أن يمارس عمله حسب إختصاصه ولكن الظروف إختارت له الهجرة إلى اسبانيا, وهناك قضى 6 سنوات عمل خلالها بستانيا في حقول الباندورا أو"ماطيشا", وفي ميدان البناء لينتهي به المطاف نادلا في إحدى مقاهي مايوركا ويقول أذكر يوما قررت فيه ان أبعث جوابا لأهلي ففكرت أن أكتب ما قاله محمود درويش في قصيدته «الغربة».
وصرت كالشباب يأماه ... أواجه الحياة واحمل العبئ كما الرجال يحملون...وأشتغل في مطعم ...وأغسل الصحون
وأضع القهوة للزبون...وألصق البسمات فوق وجهي الحزين
ليفرح الزبون...
ويردف مسترسلا حديثه، تريد أن أخبرك الحقيقة فإنه لا شيء هناك إلا مأسات وأفضل العيش على الفتات بين أهلي وأبناء وطني وسحقا لخبز الأجنبي..اسبانيا وغيرها «جنات الله في أرضه» ولكن لأهلها فقط.
اين الخلل ببساطة ؟
المشكلة كل المشكلة عندنا تكمن في عدم توظيف عشرات الخرجين كل عام والعشرات غيرهم من الشباب الذي تفرض عليه الظروف البحث عن بدائل وحتى أماكن أخرى لكسب العيش مادام المحيط الذي ينتمي إليه لم يوفر له ذلك, ذوي الشهادات مثلا لا نفهم و لا يفهم أحد كيف يمكن ان يكون حظهم في هذه البلاد أقل من حظ المنتسبين إلى الوطنيين وأشباههم إذا ما قارنا الرصيد المعرفي للطرفين أيهما أفيد للبلاد؟
وأيهما ذو أولوية؟ يتساءل خريج بكل تواضع .
لقد تبين اليوم أكثر من الأمس فداحة الظاهرة وتجلى لنا أن الخطب الرنانة والوعود والنداءات الحماسية أحيانا والضرب على وتر الوطنية أحيانا أخرى من أجل تغطية الشمس بالغربال , ومحاولات الإقناع الفاشلة كلها أدوات كلامية تجاوزها الزمن , ومن هذا المنبر الحر نطالب بتغييرها لأنها وبكل بساطة صار يضحك عند سماعها العام والخاص وكيف لا نضحك جميعا ومن يطلقون تلك الخطابات لا نراهم إلا في المواسم والمناسبات الشتوية أما شمس صيف الحمادة فهي حرام أن تمس أجسادهم «النبيلة» , والصيف لا يحلو عندهم دائما إلا بإصدار عشرات التأشيرات (ليست للبسطاء طبعا) لتقدم لهم قرابين ولاء لأنهم هم آلهة المصالح كلها , وليبددو ما غطت أيديهم من أموال الشعب وليشربوا نخب الوطن والشهداء واللاجئين الضعفاء من مرضى تمنتفوست...
أوا ليس من العار أن نسمع كل هذا و لا تدري ما الذي يريده الشباب؟ ...نحن كل ما استطعنا أن نستخلصه هو أن الذين ذهبوا والمصممون على ذلك هم لأجل من يدفع لهم أكثر حتى ولو كان العمل هزيلا لايهم ولكنه بعيد عن ضجيج المخيم
متى نفيق؟
لسنا متشائمين ولكن لن تؤدي ضبابية الطريق التي يسلكها نظام متذبذب تعمل مجمل تصريحاته علامات الارتباك والتناقض والحيرة لمواجهة مرض عضال بأدوات غير طبية حتى لا تقول ينقصها التعقيم فقط , لن تؤدي هذه السياسات إلا الى تزايد اعداد الذين يرحلون والطالبين للتأشيرات هذا في أحسن الحالات مادامت دار لقمان على حالها.
وفي المحصلة نقول إن هذا النظام الذي يعجز أن يوفر لشبابه منصب شغل هو حتما عاجز عن إقناعه بالبقاء في صفوفه , هذه هي اللغة المتدوالة اليوم مع كل الأسف وهو منطق الكثيرين , ولنتفقد كم من مثقف وإيطار رحل وأختار ان يعمل مطاردا في مزارع البقر وحقول الطماطم على أن يعمل قلما مدافعا عن شعبه وقضيته وهنا تكمن الطامة .