

إرتباك القيادة
لمحاميد. محمد سعيد
في البداية أهنيء جماهير شعبنا وأهنيء نفسي بهذا المكسب الكبير المتمثل في إعتراف جمهورية جنوب إفريقيا بدولتنا الفتية والذي كان مجمدا منذ سنة 1994، نظرا لمناورات الغـزاة ولضعف القيادة التي لم تستطع إقناع جنوب إفريقيا خلال عشر سنوات من أن مخطط السلام لن يؤدي لأي حل أمام العرقلة والتعنت المغربي، وعجز الأمم المتحدة عن فرض تطبيق مقرراتها، فهنيئا لشعبنا مرة أخرى بهذا المكسب الكبير، الذي هو ثمرة من ثمار معاناته وتضحياته..
هناك إجماع من الجميع على عجز القيادة وضعفها، وتمسكها بالسلطة طيلة 3 عقود، وإعتراف بأخطائها الفادحة المشار إليها في النداء.. هذه هي أول الملاحظات التي يمكن الخروج بها لأول وهلة من متابعة هذا الحوار الوطني الصحراوي..
لكن هناك نقطة أخرى مهمة لم يتناولها أي من المشاركين، وهو الشعار الذي أختتم به الوطنيون نداءهم لكل الوطنيين: بطل واحد هو الشعب، وزعيم واحد هو الشهيد. من أين لهم، بحق الكعبة، هذا الشعار وكيف توصلوا إليه؟ إنه ينم عن ذكاء منقطع النظير وعن خبرة بالجبهة ودراية ومعرفة تامة بالقيادة المختصة في إيجاد شعار لكل مرحلة. ولكن شعار الوطنيين هذا قطع الطريق على القيادة المتعودة على نسب المكاسب والإنجازات لها وحدها، والإنتكاسات والهزائم للشعب، أو المندسين ، ومنْ هم المندسون في الفلسفة السياسية للقيادة، خلال هذه العقود الماضية؟ هم كافة الشعب، فالقيادة وحدها مخلصة وثورية، أما ما عداها فقابل لأن يكون مندسا بين عشية وضحاها، أو كلما قررت القيادة ذلك.
إذن فشعار بطل واحد هو الشعب، هي عبارة عن قمة الوعي والنضج السياسي لأن الشعب هو البطل الوحيد وهو ضامن إستمرار الثورة ونجاحها وهو محقق المكاسب وصانع المعجزات. أما القيادة، فليست إلا مجموعة أفراد ليسوا معصومين من الزلة والخطإ والخيانة: إذا كانوا في المستوى مثل الشهيد الولي يكونون عنصرا مساعدا في النصر وتحقيق المكاسب، وإذا لم يكونوا في المستوى، مثل قيادتنا الحالية، يكونون عنصرا معرقلا، ويحاولون أن ينسبوا مكاسب الشعب لأنفسهم ليبرروا ضعفهم أمام أنفسهم وأمام الناس، مثلما تفعل القيادة حاليا، في المخيمات، مع مكسب إعتراف جنوب إفريقيا..
أما زعيم واحد هو الشهيد، فيريدون من خلاله أن ينزعوا عن القيادة هذه الهالة التي يحيطون بها أنفسهم ، ويؤكدون للجميع أن المسؤولية تكليف وليست تشريفا: ( والمناضل لا يحتسب أنُو ودا كون إلا ماتْ ) وأن القيادة لا تخول لصاحبها الزعامة ما دام على قيد الحياة، فهو معرض للخطإ والخيانة، فكم من أعضاء القيادة الذين خانوا القضية وباعونا في المزاد العلني للغزاة، وكنا نقف لهم ونحن نهتف بشعار: قيادة الجبهة الشعبية مخلصة وثورية؟… إذن فالزعيم الوحيد، حسب شعار الوطنيين، هو الشهيد الذي أعطى دمه وروحه وهي أغلى ما يملكه الإنسان، أعطاها من أجل القضية، إذن فهو وحده الذي يستحق أن يعترف به كزعيم، اما القيادة فليست سوى أفرادا سيحكم عليها التاريخ في الأخير: هل ستخون أم ستستشهد من أجل القضية التي مصت عسلها خلال أكثر من ثلاثين سنة؟… أظن بان البعد السياسي والمعنى العميق لهذا الشعار هو ما اربك القيادة بالدرجة الأولى وهذا هو ما جعلهم يتبادلون التهم فيما بينهم، كما هو شائع في المخيمات. وهذا جزء من ضعفهم، لأنهم لا يثيقون بان أبناء هذا الشعب قد يستطيعون المجيء بالمعجزات، متأكدين بانهم هم وحدهم الذين يستطيعون القيام بهذا وإختيار هذا النوع من الشعارات وهذا هو ما جعلهم لا يعلنون عن أسمائهم حتى الآن، على كل حال فإن هذه الإتهامات، تؤكد على شيء واحد هو إرتباك القيادة، وهذا الإرتباك تأكد لأكثر من مرة .
إن نظامنا السياسي مصاب بالعجز السياسي التام والعياذ بالله.. إنها العدمية السياسية.. وهذه دائما هي أزمة المتمسكين بالسلطة عبر التاريخ، مخادعة الناس، وسياسة غوبلز وزير الإعلام النازي: أكذب وأكذب ثم أكذب حتى يصدق الناس أن ما تقوله هو الحقيقة.. ولكنهم لم يعرفوا أنه بالكذب يمكن أن تخدع بعض الناس بعض الوقت، ولكنه بالكذب لا يمكن أبدا أن تخدع كل الناس كل الوقت، فذلك شيء مستحيل. والقيادة العاجزة هي أول من يستفيد من ذلك، بعد خداعهم للناس، بعض الوقت، بالمندسين والشبكات. ولكنهم كتلميذ جياب الغبي، لا يستفيدون من التاريخ والتجارب…
وخلال اللقاء الأخير للوطنيين الذي نشرت نتائجه في آرسو، والذي بعثوا من خلاله برسالة مفتوحة للسيد الرئيس، قالوا له: السيد، ولم يقولوا له الأخ. ويجب التسطير تحت ذلك وبخط أحمر وواضح.. كانت بمثابة رصاصة الرحمة ضد القيادة، فإذا وافقوا على السماح لهم بعقد ندوتهم بالمخيمات فستقف الجماهير معهم من دون إستثناء وبذلك سيفرضون عقد مؤتمر طاريء للجبهة، وتسقط القيادة ستساقط أوراق الخريف. وإن لم يوافق فسيؤكد للجميع ، بما فيهم أبيير غالون، الذي وسطوه للتدخل، وذلك ما جعله يقوم بزيارة للمخيمات، مباشرة بعد نشر نتائج الإجتماع الأخير لهؤلاء الوطنيين، سيؤكد لهم صحة ما قاله الوطنيون في ندائهم من إنعدام الديمقراطية وإحترام الرأي المعارض، وأن ما هناك هو نظام ملكي غير معلن، تحت ستار جمهورية ديمقراطية.. إذن فالكرة الآن في ملعب القيادة، ترى ما ذا هم بها فاعلون؟ وإن لم يكونوا أذكياء في التعامل مع هذه الظاهرة الجديدة من نوعها في تاريخنا، فقد يحكمون على أنفسهم بالإنتحار وربما على القضية الوطنية بأكملها ، فلماذا تخاف هذه القيادة من فتح حوار وطني حول مسيرة ثورتنا ومستقبل شعبنا، وليس حول القيادة… لماذا هذه القيادة، لو كانت قيادة وطنية، تخاف دائما من المعارضة والنقد والرأي الآخر.؟ فتجربة جريدة رأي الجماهير أجهضوها في المهد، وتجربة الإستفتاء والدولة، قضو عليها، لا لشيء إلا لأنها إنتقدت تصرفات بعد افراد القيادة، خصوصا خلال المؤتمر التاسع، وبدأت تصنع رأيا وطنيا لا يسبح بإسم القيادة. فأتخذوها هدفا ولم يستريحوا إلى أن حولوها لخبر كان وبيعت أجهزتها المتطورة في المزاد العلني. وأصبح جاحد راسو مجهول الهوية والمكان. واليوم مجموعة الشباب الخرجين الذي أصدروا مجلة المستقبل الصحراوي، بوسائلهم الذاتية والشحيحة، بعيدا عن السلطة ولغتها الخشبية، جعلوها هدفا وضيقوا عليها وحاربوها ومولوا مجلة موازية بإسمهم: مجلة ألامل. ولن يتركوها حتى يقضو عليها بكل الوسائل، خصوصا بعد نشرها لنداء الوطنيين..
الذي يظهر بوضوح أن هذه المعارضة الحالية ليست كمعارضة بداية التسعينيات، التي لما تقاسمت معهم اللجنة التنفيذية السلطة والمناصب، ضحو بمطالب الشعب، وأردفوهم على الحمار، وزادوا حمل الشعب حملين. لأن هؤلاء الوطنيين لم يعلنوا حتى الآن عن أنفسهم، ليؤكدوا للجميع بأنهم لا يبحثون عن مناصب أو مصالح وإمتيازات، بقدر ما يبحثون عن مصالح هذا الشعب المهدد بالإندثار. وتجلى خوفهم على القضية الوطنية واضحا وذلك عندما ما قاموا بإجراء تغييرات جوهرية على ندائهم لما قرروا نشره للجميع، حيث نزعوا منه الكثير من المواقف المشينة والأخطاء الفادحة للقيادة والتي تعد شانا صحراويا داخليا. فهم لا يريدوا نشر اوساخ غسيلنا أمام الجميع، ويستحقون التهنئة من أجل ذلك. لأن نداءهم الذي نشر مغاير كثيرا للنداء الذي وزع علينا في المخيمات الصيف الماضي، ومازالت لدي نسخة منه.
بالنسبة لأصحاب النداء، لدي كذلك ملاحظات:
أولها أنه إذا كان من ضمنهم أحد أعضاء القيادة الحالية للبوليزاريو، فإن معارضتهم لن تكون أفضل من معارضة نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، وبذلك ستكون مجرد عملية تصفية حسابات بين أفراد القيادة، والخاسر الأول والأخير هو الشعب، والرابح هي القيادة الحالية.. لأننا نعرف جيدا كيف تم تدجين كل من تظاهر بالمعارضة من الإطارات وأعضاء القيادة، بما في ذلك إيجاد مناصب وزارية جديدة خاصة بهم، ومفصلة على مقاسهم.
ثانيا: إذا كنتم ستقومون بإصلاح القيادة أو تغييرها ولكن من داخل الجبهة الشعبية، ككيان وطني لكل الصحراويين، و لا تخيفكم شرعية القيادة لأنه لا شرعية لها. بينما الجبهة تبقى هي الشرعية وهي المكسب الكبير لهذا الشعب، بدل البحث عن إطار خارج الجبهة. لأن الإطارات، وأنا احدهم، لن تكون مستعدة للتخلي عن 30 سنة من حياتها النضالية والكفاحية في الجبهة، لتبدأ من جديد في تنظيم جديد. عليكم بالمعارضة والنضال من داخل الجبهة فكل الشعب ومعظم مناضلي الجبهة معكم ومع أطروحاتكم ، ومستعدين لمكافحة القيادة العاجزة معكم.. أما إذا حاولتم إيجاد تنظيم خارج الجبهة، فستستغـله القيادة لضربكم وإتهامكم، وتذكير الشعب بتجربة لحزيب وغيره. إذن فمعارضتكم يجب أن تكون من داخل الجبهة، فالجبهة ليست حكرا للقيادة، بل هي ملك لكل الشعب الصحراوي. وهذه القيادة إستغـلتها فقط في غفلة من الزمن، لتركب من خلالها على ظهر الجماهير ولتتاجر بإسمها. فلنكن مع الجبهة ولنعمل على التمسك بالجبهة الحقيقية جبهة الشهيد الولي، وكل الشهداء، جبهة المبادئ، التي أصبحت القيادة تقول بأنهم: مبادئ دَخْنْ. فالمعارضة الناجحة هي التي تزاحم القيادة وتكشف سياستها وألاعيبها، وتفرض عليها إما الرجوع للجبهة الحقيقية ، أو التنازل والإنعزال، أو الخيانة والتوجه للعدو. وبذلك ستجدون كل الشعب معكم لأنه لا يختلف إثنان اليوم حول عجز القيادة وإنحرافها، وتحولها من مناضلين إلى سماسرة. ولكن الناس تنتظر من يحمل المشعل، وقد أشعلتموه فواصلوا حمله وستجدوننا جميعا معكم، ومن لم يعجبه التغيير من أعضاء القيادة، فليتوجه في اثر أصدقائه .
لقد قلتموها في بيانكم الأول، وسأعيدها هنا: إننا متأكدون من أن الطريق مليء بالمصاعب والأشواك، أشواك الغزاة المغاربة والقيادة العاجزة، ولكن تلكم هي طريق الرجال الذين يصنعون التاريخ، مثلما صنعناه مع الشهيد الولي، منذ إنطلاقة الثورة.أما الرذلاء والمتملقون والإنتهازيون فهم أصحاب الطرق السهلة.( ما يسمن فالعام لمحال يكون أذياب).