البوليساريو بعد حرب العراق


سعيد زروال
البوليساريو… و ازمات الخليج المتعاقبة..
كان أول موعد للبوليساريو مع أزمات الخليج بداية الثمانينات وبالضبط أيام حرب الخليج الأولى, التي إندلعت بين النظامين الإيراني والعراقي, ولم تجني البوليساريو من تلك الحرب إلا النذر القليل وذلك بعد كسبها لود نظام الخميني وما أجاد به من كرم الثورة الإيرانية على الشعب الصحراوي, والذي كان ظاهره في سبيل الله أما باطنه فكان في سبيل نشر تعاليم الثورة الخمينية أولا، وللرد على التعاون المغربي العراقي ضد الثورة الإيرانية الإسلامية الفارسية ثانيا، وما كادت تضع حرب الخليج الأولى أوزارها حتى بدأت بوادر حرب جديدة في تلك المنطقة تلوح في الأفق، وكانت البوليساريو قد دخلت وقتها في ما أصبح يعرف (بامعضلة الإستفتاء), هذا بعد أن تركت السلاح جانبا وتحول صناع القرار في الدولة الصحراوية من التفكير بالسلاح إلى التفكير بالدبلوماسية, وبعد الإجتياح العراقي للكويت وإندلاع حرب الخليج الثانية ونهايتها لم تجني البوليساريو من تلك الحرب إلا مزيدا من التهميش الإعلامي والدولي لقضيتها الثورية على الصعيد العالمي، هذا بعد ظهور قضايا أكثر حساسيتا وتعقيدا ومساسا بالمصالح الاستراتيجية الأمريكية, هذه الأخيرة التي تربعت على عرش الزعامة العالمي بعد إستقالة أو إقالة قريمها السوفياتي من اللعبة الدولية.
واليوم تقف البوليساريو على مفترق طرق بعد نشوب أزمة جديدة في منطقة الخليج تختلف كثيرا عن الأزمات السابقة في تلك المنطقة, فإذا كانت حرب الخليج الأولى قد دخلت على البوليساريو وهي في عزأيامها الثورية, وتلتها حرب الخليج الثانية والتي دخلت على الجبهة وهي تظن عبثا أنها جنت ثمار كفاحها المسلح ضد المستعمر المغربي,
فإن الحرب الجديدة في منطقة الخليج أصبح يطرح لها ألف حساب من الدول المستقلة ذات السيادة فما ذلك با التي ما زالت تبحث عن تلك السيادة، وستدخل هذه الحرب على البوليساريو وهي في وضع لا تحسد عليه, فهل لهذه الحرب تأثير محتمل على قضايا تقرير المصير بصفة عامة وعلى القضية الصحراوية بصفة خاصة؟
وما هي الاستراتيجيات التي يتوجب على الجبهة إتباعها للخروج سالمة بعد حرب العراق؟ وما هي الخيارات المتاحة أمام البوليساريو في ظل ما يتوقعه البعض من عجز أو إنهيار للهيئة الأممية؟ وما هو الوضع المستقبلي للبوليساريو ولقضيتها الثورية, في ظل المتغيرات المتوقعة على الساحة الإقليمية والدولية بعد الحرب العراقية؟
البوليساريو.. من 11سبتمبر الى ما بعد حرب العراق
لم يكد يمضي أكثر من عامين على أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي خرجت منها البوليساريو سالمة معافات من تهمة الارهاب بعدما شفع لها نهجها العلماني لدى الإدارة الأمريكية, حتى وجدت الجبهة نفسها من جديد أمام تحدي جديد بعد ظهور الأزمة العراقية، والتي يظنها البعض ممن هم ليسو بدراية بتعقيدات وتشعبات هذا الملف بأنه لا يختلف كثيرا عن الأزمة الأفغانية, التي بدأت وإنتهت ولم يلحق بجبهتنا أي ضرر يذكر اللهما الصفعة المعنوية الوحيدة التي تلقتها البوليساريو بعد سحب حكومة كرازاي لإعترافها بالجمهورية الصحراوية, وهي الصفعة التي ربما لم يشعر بها الكثير من قيادات الجبهة, ذلك بعد تلقيهم لصفعات سابقة ومن الوزن الثقيل أنستهم في ما يبدو بالصفعة الأفغانية التي لا تسمن ولا تغني، هذه الأزمة الأفغانية التي نظر إليها البعض ممن هم في هرم السلطة الصحراوية بانظرة المثل الشعبي" ماطحنا ولا كنا أركوب", إلا أن هذا المنطق يبدو أنه لن يتكرر من جديد بعد الحرب العراقية التي يبدو أنها لن تمر مرور الكرام على جبهة البوليساريو, وذلك بحكم البعد الجغرافي للازمتين الأفغانية والعراقية نسبتا إلى المنطقة العربية هذا من جهة, ومن جهة أخرى إلى حجم التأثيرات المتوقعة للقضيتين على خارطة الإسترتيجيات الدولية بصفة عامة وعلى المنطقة العربية بصفة خاصة.
وحسب الخطط المتوقعة لمسار الأزمة العراقية فإن الدور بعد العراق سيكون على السعودية, وذلك إستكمالا ربما للحرب الأمريكية المعلنة على الإرهاب, ورغبة إدارة بوش في تجفيف المنابع المالية والفكرية لهذه الظاهرة والتي تعتبر السعودية المعقل الرئيسي لها، وهو ما يفهم منه ضمنيا بأن الخطط والسياسات الخارجية والمعونات المالية المبالغ فيها التي كان يقدمها نظام "خادم الحرمين", لزيادة نفوذ المملكة في المنطقة العربية والإسلامية في إطار تقوية مكانة المملكة الروحية, كل ذلك سينحصر
أو ينتهي بعد الأزمة العراقية, وهو ما سينعكس إيجابا على قضيتنا الوطنية وذلك بعد توقف الدعم المالي والمعنوي الذي كانت تمد به المملكة السعودية نظريتها المغربية, والذي تعود جذوره إلى "المسيرة الخضراء"
أو "السوداء" والتي تمكن المغرب من خلالها من إحتلال الصحراء الغربية, هذه المسيرة التي مولت السعودية كافت تكاليفها والمقدرة با 300 مليون دولار, وهو ما يبين بأن السعودية كانت هي رأس كل خطيئة في المنطقة المغاربية, ضف إلى ذلك .../ ...
التدخلات المتكررة لحكومة خادم الحرمين لنجدة النظام المغربي في كافة أزماته المالية
والسياسية, ومنها بالأساس التكفل بكافة نفقات الجنود المغاربة المستعمرين للصحراء الغربية,
بالإضافة إلى إستعمالها لكل ثقلها السياسي والديني في سبيل إبعاد الجبهة عن منابر كل المنظمات
العربية والإسلامية الواقعة تحت نفوذ "الفيتو" النفطي الذي تمارسه المملكة السعودية،
كل هذا التغزيم للنفوذ الخارجي للنظام السعودي ستتضرر منه بصفة مباشرة أو غير مباشرة كافة
الأنظمة التي كانت تعتمد على الإعانة السعودية, وعلى رأسها النظام المغربي الذي سيكون تأثره كبيرا ومباشرا بعد إنحصار الدعم المالي السعودي, وهو ما من شأنه أن يدخل المملكة المغربية في شبه ضائقة مالية أو أزمة إقتصادية تعجز على إثرها عن السيطرة على الجبهة الإجتماعية وحتى العسكرية, بعد توقف الإعانة السعودية إلى القوات المسلحة المغربية والتي تتكفل على إثرها السعودية بكافة نفقات ورواتب الجنود المغاربة المستعمرين للصحراء الغربية والمقدرة بـ 2 مليون دولار يوما أي ما مقداره 700 مليون دولار سنويا, هذه الأزمة الاقتصادية التي قد تؤدي إلى حدوث إنتقاضة شعبية من جراء سوء الأحوال المعيشية وإنتشار البطالة, وهي البيئة المناسبة للنمؤ وإزدهار الظاهرة الإسلامية, وعلى رأسها "جماعة العدل والإحسان" والتي لا تخفي تعاطفها وتضامنها الكامل مع تنظيم القاعدة، هذا الحزب الذي سيحاول إستثمار الغليان الاجتماعي ضد السياسات الحكومية والاشتراكية التي ستثبت عجزها وفشلها بعد توقف الإعانة السعودية, وهو ما سيضمن له عزوف الناخبين عن منح أصواتهم لهذه الأحزاب وبالتالي توجيهها إلى الأحزاب الإسلامية, وهو ما سيمكن هذه الأحزاب من السيطرة على البرلمان وبالتالي على الحكومة المغربية, وهو ما سيضع النظام المغربي على قائمة الدول الراعية للإرهاب,
هذا الوضع المتوقع سيرفع من رصيد البوليساريو لدى الإدارة الإمريكية وربما سيكون دورها شبيها بالدور الذي لعبه تحالف الشمال ضد نظام طالبان, هذا إن لم يحاول النظام المغربي وكعادته التكيف مع المستجدات الدولية المتوقعة بعد حرب العراق, ويضمن بعدها مصدر تمويل بديل عن الإعانة السعودية, والذي لن يكون فيما يبد إلى على حساب ترابنا الوطني كأن يمنح أجزاء منه إلى شركات أجنبية, وهو ما يضمن له مورد أخر بديل عن السعودية.
ما ينبغس على البوليساريو استخلاصه من حرب العراق
لن ينحصر تأثير الحرب العراقية على عامل الجغرافية فحسب, بل سيتعداه إلى عامل الإستراتيجية, فهذه الحرب قد قسمت العالم إلى كتلتين أو معسكرين معسكر الصقور أو دعات الحرب, ومعسكر الحمائم أو دعات السلام، لكن ما يهمنا نحن الصحراويين هو أن نفكر ولو لمرة بالعقل قبل القلب وبالمصلحة قبل المبادئ, وذلك بإستغلال فرصة الجفاء بين الموقفين الامريكي والفرنسي, ومحاولة التحرك على المحور الإسباني المنحاز للموقف الأمريكي, لمحاولة كسب هذا الأخير إلى جانب قضيتنا الوطنية, وهو الموقف الوحيد أو الفرصة المواتية التي ينبغي على البوليساريو إستغلالها, وهو موقف يبدو في ظاهره موقف مصلحي براغماتي لا يراعي المشاعر العربية و الإسلامية, إلا أن هذا النوع من المواقف يبدو أنها هي المرشحة للصمود بعد الأزمة العراقية, وهذا في ظل ما يتوقعه بعض المحللين من فشل لأفكار المدرسة المثالية المبنية على السلام والإنسانية والتسامح والصداقة والتعاون, وهي أفكار لا زالت هي المرتكز الأساسي للفكر السياسي الصحراوي في تعامله مع مختلف القضايا الدولية والإقليمية وخاصة مع الدول (الشقيقة) و(الصديقة), ومنها الحليف الأول لثورتنا التحريرية, هذا الحليف الذي يؤكد في كل مناسبة او في غيرها بأن موقفه من قضيتنا هو من ثوابت ثورة المليون ونصف المليون شهيد, إلا أن التطورات السياسية والاقتصادية والدور الكبير الذي تلعبه هذه الأخيرة في التأثير على مجرى الأولى يبرهن لنا بأن الثوابت قد تصبح متغيرات, إذا ما دخل على المعادلة الثنائية وحتى وإن كانت من الدرجة الأولى مجهولا يسمى المصلحة, وما يدعم هذا الرأي التصريحات التي باتت تطلق من هنا أو هناك من قبل أناس كانوا معصومين عن الخطاء في حق قضيتنا الوطنية, والتي إعتبرها البعض بأنها مجرد زلة لسان متقاعدة, إلا أن ظهور هذه الزلة على صفحات كبريات الصحف الخاصة بهذا الحليف والتي لا تنطق عن الهوى, وحتى وإن لم ينظر إلى هذه الزلات المتقاعدة بنظرة ذات أهمية, إلا أن الشوائب التي قد تطرأ من هنا أو هناك كما حدث زمن الأشهر الستة العجاف بداية التسعينات, والتي شهدت جمودا في العلاقة الثنائية بين البلدين, وفي ظل ما يتوقعه البعض من وصول إحدى الشخصيات المحسوبة على التيار الإسلامي الى هرم السلطة التنفيذية بعد الانتخابات الرئاسية المزمعة في2004, كل هذه المعطيات تبين لنا بأنه ينبغي على البوليساريو في ظل هذه البيئة الإقليمية غير المستقرة هو الإعتماد على القدرات والإمكانيات المحلية أولا, وذلك إقتداء بالمثل الشعبي" لجرب أتحكلو الأ ايدو" وهي قاعدة من شأنها أن تعزز من إيماننا بالقضية, وعدم تركها في أيادي قد لا تؤتمن عليها وقد تراهن بها كلما رأت أن ذلك يصب في مصلحتها الضيقة, وربما كان يندرج التطرق إلى هكذا مواضيع في خانة "الردة" بالمفهوم الوطني للكلمة, إلى أن الماضي الغريب علمنا بأنه لا "ردة" في المصلحة الوطنية, فا باكستان تخلت عن نظام طالبان الذي كانت تعتبره حليفها الاستراتيجي الأول بسرعة البرق بعدما أصبح مصير باكستان مرهون بزوال طالبان.
ولكي نتمكن من معاصرة كافة الإستراتيجيات العالمية, ينبغي علينا أو على صناع قرارنا التخلي عن الأفكار المثالية التي أصبحت قديمة بمنظور الواقع, والإقتداء بالأفكار الواقعية القائمة على المصلحة والبراغماتية. والتي أصبحت تمارس علنا على الساحة الدولية في ظل الأزمة العراقية. وخير دليل ماأقدمت عليه تركيا من مساومات مع الإدارة الأمريكية حول نشر القوات الأمريكية مقابل مساعدات مالية, في شكل اصبح شبيه "بالبزنسة السياسية", أما في وضع جبهتنا فإن هذا النوع من المساومات والبراغماتية يمارس وبشكل أوقح ربما مما فعلته تركيا, ولكن للأسف في سياستنا الداخلية فقط, أما في سياستنا الخارجية فإن الأفكار المثالية من صداقة ومبادئ وتعاون لا زالت هي المسيطرة على ذهنيات من هم في دائرة صنع القرار.
ويؤشر هذا الإنتشار للأفكارالواقعية الى تغيير محتمل في هيكل الهيئة الأممية, بعدما أصبحت حجر عثرة أمام السياسات الأمريكية في ظل تصاعد المعارضة الفرنسية, و هو ما يوحي بتوسيع محتمل لمجلس الأمن الدولي ليشمل دولا جديد كالهند وألمانيا واليابان, هذا إن لم تسفر هذه الحرب عن إنهيار الهيئة الأممية, وهو ما يطرح الكثير من الإستفهامات عن مصير كافة مشاريع الهيئة الأممية, ومنها الاستفتاء في الصحراء الغربية وهو ما قد يدفع الجبهة إلى معايشة مرحلة ما بعد فشل الاستفتاء
وما يفتحه ذلك من إحتمالات عدة لحل أو لتعقيد القضية.
كل هذه الأمور وغيرها تحتم على البوليساريو إذا أرادت الانسجام والتأقلم مع عالم ما بعد حرب العراق هوالتقيد بأفكار الواقعية وما تفرضة من حرص على المصلحة الوطنية, وتهميش الأفكار المثالية القائمة على التضامن والتعاون والإنسانية, هذا بعد أن إنعدمت في عالمنا الصداقة والعداوة الدائمة بعدما اصبح الجميع يبحث عن مجهول قديم متجدد هو المصلحة.
![]()