دنيا الثقافة
دعوةالإعادة النظر في ادب المحاولات و المسابقات
الكاتب و الصحفي : السيد حمدي يحظيه
عندما طلب مني الإخوان أن اكتب عن واقع إبداعنا الأدبي على ضوء ما سيقدم في مهرجان الثقافة والفنون، كأحدث إبداع عندنا زمنيًا، خامرني شعور عارم باليأس وبتوقع الخيبة أنه لن يقدم إبداع على الإطلاق... أو بعبارة أصح لن يكون هناك نتاج في مستوى أن يطلق عليه اسم إبداع يمكن أن يقييم... إنه شعور بالخيبة ولا شيء غير الخيبة المرة... شعور شخصي، وأتمنى (تفاولا) أن يبقى محصوراً علي وحدي... فعلا لم يقدم إبداع يمكن أن يكتب عنه، وما قدم (رغم احترامي له) لم يخرج عن إطار المحاولات المكتوبة من أجل المشاركة في المسابقة, وهو ما تعودنا عليه منذ سنة 1984م دون جدوى... كان المهرجان دليلا على فشل سياسة المسابقات والمحاولات...لكن لماذا الفشل؟.
كنت سنة 1984 قد اقترحت تكوين لجان الإبداع الأدبي والفكري في مراكز الدراسة, ودافعت عن الفكرة حتى فرضتها...منذ ذلك الوقت أطلقوا على الذين بدأوا اسم "مواهب" وعلى ما يكتب اسم "محاولات" وعلى الفضاء الذي يقدم فيه اسم "مسابقات"، وإلى اليوم لا زالوا يطلقون على من بقى من أولئك الذين بدأوا يكتبون سنة 1984 اسم "مواهب" ويرفضون إطلاق عليهم اسم كتاب, بعد مرور ثمانية عشر سنة.. اليوم حين نتوقف لحظة لتقييم الحصاد الأدبي لا نعثر إلا على التبن والقش... بصراحة حاول الكثير من الشبان أن يبدع بجد وحسن نية، لكن طبيعة الواقع وغياب مشروع استراتيجي مدروس وفلسفة في هذا الميدان حالت دون ذلك... إذا كانت نتيجة ثمانية عشرة سنة من محاولة الإبداع في هذا الميدان هي الرماد أو التبن، فما جدوى استمرار الدوران في دائرة مفرغة؟ أليس هذا وقت كافي تماما لوضع قاعدة لأدب صحراوي متميز, وخلق ثقافة إبداعية لها أسس.. إذا قلنا يأس، فهو يأس أفراد أو جيل لم يحقق حلما راوده طويلا، وهو تأسيس فعل حضاري (وضع أسس كتابة على ركام إبداع أدبي جميل شفهي أصبح من التراث).
يالها من خيبة مريرة من الصعب تقبلها رغم معايشتها ومثولها للأسف، ولقصور في الوعي، لم نستطيع أن نؤسس لكتابة صحراوية جيدة، أو على الأقل يمكن أن يطلق عليها اسم كتابة لغياب فهم عميق مدروس للغرض من الثقافة بصفة عامة..
أين هم الذين بدءوا يكتبون الآن؟، أين ذهبوا؟، لماذا رفعوا العلم الأبيض, وافترقوا قبل الوصول لنقطة النهاية؟، وإذا كانوا لا زالوا يكتبون "وهذه مجرد أمنية" فإن كتاباتهم لم يعد لها دور في صراعنا الثقافي مع عدونا، ولم يعد لها تأثير في الرفع من مستوى واقعنا الداخلي... وواقع الحال هكذا، فإني لا ألوم ولا أنتقد أي كاتب هجر القلم والورق ورفع الراية
البيضاء، بل أتعاطف معهم وأعرف جيدا الدوافع وراء
سلكهم سبل أخرى... إن حركة رحى الواقع كانت أقوى من
إستماتتهم ومن محاولاتهم الفردية... إذن لا يمكن أن يكون هناك
إبداع في غياب أقلام ومبدعين أو عدم ولادتهم ووجودهم أصلا...
إن الذين بدأوا يكتبون لم يتم استغلالهم ضمن مشروع لترقيتهم ككتاب، لكن تم استغلالهم في المسابقات العامة فقط حتى ترسخت فلسفة أن الأدب عندنا هو من أجل عدة نقاط في المسابقة،
أما الكاتب أو الفنان فكان صفرا في العملية الثقافية بصفة عامة وهنا يكمن الخلل ويحدث الصدع... لم تنتبه المؤسسة الثقافية للفرد، ولم تعطيه القيمة التي يستحق، ولم تعمل على تأهيله ليكون في مستوى الدفاع عن القضية من جهة، ويكون فاعلا في ترقية العملية الثقافية والنهوض بها بصفتها رمزا للوحدة الوطنية ..
من وجهة نظري الضييقة والشخصية، بدأت أطالب منذ مدة طويلة بوضع نقطة نهاية لكل ألوان الثقافة التي تقدم من أجل المسابقات والنقاط، والتفكير في سيا سة أخرى ندرك بها التأخر الحاصل في ميدان الثقافة خاصة الكتابة، لكن المشكلة أن لا أحد استمع... لقد تبددت الطاقات الثقافية لجيلين كاملين في العدم، بسبب غياب خطة مدروسة نحافظ بها على ثقافتنا ونطورها، خطة تجعل الفرد رقما في المعادلة الثقافية، وليس رقما في الثقافة الاحتفالية وثقافة الفرجة التي تموت بموت الحدث.
إنها حسرة كبيرة قد لا يحسها إلا أولئك الذين انتظروا طويلا فكانت النتيجة صفرا... إن بداية حركتنا الأدبية بدأت مع بداية الثورة تقريبا، (منتصف السبعينات)، مثلنا مثل دول الخليج ومثل موريتانيا، لكن بحلول سنة 2000م كان أحسن روائي في العالم العربي هو موريتاني (موسى ولد أبنو)، بينما لم نحتفل نحن بميلاد روائي واحد متواضع أو باحث أو شاعر من الجيل الجديد (مواليد آخر الستينات وبداية السبعينات).
إن التفكير من الآن فصاعدا يجب أن ينصب على إتباع سياسة أخرى لترقية الثقافة، والأمل يبقى معقودا على الجيل الصاعد كي يحمل لواء الثقافة, لكن بشرط أن لا يكرر الأخطاء التي ارتكبنا نحن الذين استنفذنا طاقتنا الإبداعية في المسابقات والثقافة الإحتفالية الفرجوية فلم نحصل سوى على الرماد.
![]()