البوليساريو بين بيكر وثاباتيرو
سعيد زروال


لقد جاء صعود اليساري ثاباتيرو بدل اليميني أثنار بمثابة المفاجئة السيئة للبوليساريو من ثاني أكبر حليف لها خارجيا ، ولم تكد تتعافى البوليساريو من تلك الصدمة حتى جاءت إستقالة الامريكي جيمس بيكر من منصبه كمبعوث شخصي للامين العام الاممي كوفي عنان لتخلط ماتبقى من أوراق النظام الحاكم في البوليساريو ، فماهي التأثيرات المحتملة على القضية الصحراوية بعد صعود ثاباتيرو وإستقالة بيكر؟
وهل ستبقى القضية الصحراوية حبيسة الأدراج في إنتظار عودة اليمين إلى الحكم بإسبانيا وتكليف أمريكي آخر بالقضية ؟ وماهي ملامح المرحلة القادمة ؟ وهل وصلت التسوية الاممية الى طريق مسدود ؟ وماهو مستقبل القضية بعد فشل كل الحلول الاممية وإستمرار الوضع القائم ؟
البوليساريو من اليمين الى اليسار الاسباني :
إن المتابع للسياسة الخارجية الاسبانية المنتهجة من قبل الحكومة الاشتراكية بقيادة ثاباتيرو ، سيلاحظ ومنذ الوهلة الاولى حجم التناقض الكبير في تلك السياسة ، فمن جهة أقدمت هذه الحكومة على سحب قواتها من العراق وذلك في إطار الدفاع عن الشرعية الدولية ومن جهة أخرى تخالف هذه الحكومة سياستها عندما يتعلق الامر بنزاع الصحراء الغربية، وذلك ماعكسته الزيارة الاولى لثاباتيرو خارجيا والتي إستبشر بها النظام المغربي خيرا بعد السنين العجاف التي طبعت فترة رئاسة خوسي ماريا أثنار للحكومة باسبانيا.
ولاتبدو العلاقات الوثيقة بين الحزب الاشتراكي والنظام المغربي وليدة اللحظة ، بل ترجع جذورها الى العلاقات القديمة والمتينة التي تربطها الاحزاب الاشتراكية المغربية مع الحزب الاشتراكي الاسباني ، إلا ان طبيعة العلاقة بين الحزب الاشتراكي والنظام المغربي تسير على خط مناقض للعلاقات الرسمية الاسبانية المغربية ، وهذا في عهد الحكومة اليمينية السابقة التي صرح رئيسها اثنار ان المغرب لايحتاج لسفير يمثله باسبانيا مادام ان ثاباتيرو يقوم بتلك المهمة على اكمل وجه ، ولكن في المقابل هل لنظامنا الحاكم هو الآخر نفس الصلة بالحزب الاشتراكي الاسباني ؟ وماذا دار فعلا في الزيارة العلنية "السرية" الاخيرة التي قام بها وفد إسباني رفيع لجبهة البوليساريو أو لقيادتها بادق تعبير؟ وهل أتى حاملا لرسالة وفق الرواية الرسمية أم محملا بخطة جاهزة لتسوية القضية برمتها وفق وجهة نظر حكومة ثاباتيرو اليسارية ؟ أسئلة تبقى معلقة تضاف الى الكثير من الاسئلة التي لن يستطع الاجابة عليها الا اصحاب الخبرة والحنكة الدبلوماسية عندنا ، والذين أدخلونا بدهائهم السياسي منذ بداية عقد التسعينات في طريق مسدود يسمى "معضلة الاستفتاء" الذي دخلوه بسهولة لكن أصبح من العسير عليهم الخروج منه ، ونتمنى أن لا يدخلونا وبحنكتهم المعهودة لهم دائما في معمعة أخرى قد لا تحمد عقباها .
وبعيدا عن تعقيدات المشهد السياسي الإسباني كيف ستكون ملامح المرحلة القادمة بالنسبة للقضية الصحراوية ؟
ملامح المرحلة القادمة :
ستتميز المرحلة القادمة بفتور كبير قد يصيب الموقف الاسباني تجاه قضيتنا الوطنية ، وذلك من جراء سياسة حكومة ثاباتيرو الجديدة ، والذي تزامن فوزه برئاسة الوزراء ولسوء الحظ مع دخول اسبانيا كعضو غير دائم في مجلس الامن ، وهو ماسيفوت على البوليساريو في ظل السياسة الحالية المنتهجة من قبل حكومة ثاباتيرو سندا قويا في مجلس الامن يضاف الى صوت الحليف الاول للثورة الصحراوية في ذلك المجلس وهو "الجزائر" ، وسيطبع التأجيل تلوى الأخر المرحلة القادمة بكيفية ليست بمسبوقة ، وذلك لأن الهيئة الاممية قد عينت البيروفي "الفارو دي سوتو" بدل الامريكي "جيمس بيكر" المشغول بالتحضير للرئاسيات الامريكية بمثابة تسجيل حضور للهيئة الاممية في هذا الصراع لا أكثر ولا اقل ، وهو مايطلق عليه باللغة العامية "تجويز ملامة" لانه يستحيل على المبعوث البيروفي أن يفعل ماعجز عنه سلفه الامريكي وشتان مابين الثراء وهي "البيرو" والثريا وهي "اميركا" ، وستعطي إستقالة بيكر هذه مزيدا من التصلب والتعنت لموقف العدو المغربي ، وهي نتيجة حتمية لسياسات التهاون المنتهجة من قبل قيادة البوليساريو في إدارة القضية الصحراوية ، والتي أساسها تقديم التنازلات تلوى الاخرى وبمسميات عديدة تارة تحت مسمى "حسن النية" وتارة "الرغبة في السلام" ، وهي سياسة لن تحصل البوليساريو بموجبها في النهاية إلاعلى مزيد من التهميش وحتى التجاهل من قبل الهيئة الاممية والاطراف الفاعلة في القضية الصحراوية ، وهو ماعكسته المبادرة الاسبانية التي لم تضع أي مكان لجبهة البوليساريو ضمن القوى المعنية بالقضية الصحراوية ، واللوم هنا لا يقع على الخارجية الاسبانية التي تنفذ برنامجا مسطر لها سلفا من قبل خبرا ومختصين ، بل اللوم كل اللوم يقع على عاتق القيادة الصحراوية التي غابت كليتا عن المسرح الدولي ، حتى اصبحنا نخشى من تحولنا كأصحاب قضية الى طرف منعدم الفعالية ، ونصبح بذلك أشبه مانكون بالشعب الكشميري الذي اصبح لاحول له ولا قوة امام تجاذبات العلاقات الهندية الباكستانية ، وسيساهم في هذه الحالة كثيرا جمود مخطط التسوية الاممي ووصوله الى طريق مسدود ، وهو ماينذر بفشل لكل الحلول الاممية المقترحة لحل القضية ، ولن يختلف مستقبل البوليساريو عن ماضيها في ظل إستمرار الوضع القائم ، إلا أن التأجيلات المتتالية التي سيعرفها مخطط التسوية الاممي ستأثر سلبا على الروح المعنوية لمناضلي البوليساريو مما سيزيد من حالة الملل واليأس لديهم ، هذا بالاضافة الى إنتشار الكثير من الافات الاجتماعية في مخيمات اللاجئيين كتعاطي المخدرات وإنتشار الجريمة المنظمة وغيرها من الافات التي تاتي كنتيجة حتمية لظاهرة البطالة المستفحلة خاصة في فئة الشباب ، وعجز النظام الحاكم في جبهة البوليساريو عن إيجاد مناصب شغل لهذه الفئة مما يجعلها تتخلى تدريجيا عن إيمانها الراسخ بالقضية الوطنية ، وتحاول البحث عن خيارات جديدة كالهجرة الى اوروبا وهو مامن شأنه أن يحد من القاعدة النضالية المستقبلية للجبهة اذا استمر الوضع الاجتماعي على غليانه الحالي، وتوحي كل هذه الدلائل أننا اصبحنا في أمر واقع يستحيل الخروج منه .
هل اصبحنا في أمر واقع ؟
الامر الواقع عبارة يبدو انها لم تدخل بعد الى قاموس ساستنا السياسي الفقير أصلا الى هكذا مصطلحات ، رغم ان هذا الموضوع اصبح من الاحتمالات العديدة المطروحة لحل المشكلة الصحراوية ، ويبدو ان معالم هذا الامر بدأت تلوح في الافق فالعلامات الصغرى له بدأت في الظهور، ومنها على سبيل المثال لا الحصر " إستمرار حملات الترميم للمباني الرسمية والغير رسمية ، وصول التغطية الهاتفية الى مخيمات اللاجئيين الصحراويين ، ادخال الكهرباء الى بعض الاماكن ، هذا بالاضافة الى ان المواطن الصحراوي وصل الى درجة اليأس والغنوط من التاجيلات المستمرة لما اصبح يعرف بنكسة مخطط التسوية الاممي " .
ويتمحور الجانب السياسي للامر الواقع بالنسبة للحالة الصحراوية في بقائنا على وضعنا الحالي كلاجئيين بالصحراء الجزائرية ضف الى ذلك احتمال الاعتراف بسيطرة الدولة الصحراوية من الهيئة الاممية على المناطق المحررة من الصحراء الغربية ، اما الجانب الاقتصادي
فسيقع على عاتق المنظمات الانسانية المانحة التي ستتتكفل بتسديد النفقات المعيشية وإقامة مشاريع للبنية التحتية لتحويل المخيمات تدريجيا الى أشباه مدن ، وقد يصل الامر الى حد تأسيس منظمة أممية تعنى برعاية وتشغيل اللاجئيين الصحراويين على غرار ( الاونروا ) التي تعنى بشؤون الاجئيين الفلسطينيين ، وبالاضافة الى الجوانب السياسية والاقتصادية للامر الواقع يأتي الجانب الاجتماعي والذي يبدوا الاكثر اهمية في تكريس هذا الامر ، وهذا نظرا لتداخل عدة عوامل نفسية وغيرها في بناء العامل الاجتماعي ، وبإلغاء نظرة بسيطة من وجهة النظر الاجتماعية بعيدا عن السياسة سنرى ان المجتمع الصحراوي بدأ في التفاعل والانسجام مع هذا الامر الواقع ، والدليل عليه هو أننا أصبحنا غاب قوسين أو أدنى من ميلاد جيل جديد منعدم الصلة المعنوية بالوطن الام ، آتى كمحصلة طبيعية من الزواج المشترك بين أبناء وبنات اللجؤ أو "لحمادة" ، ويبدو أن الكثير من الحكايات والقصص وحتى الاساطير التي كان يسمعها أبنا اللجؤ الأوائل من أبائهم عن الوطن الام أو ما يعرف ( بالمنطقة )، سيختفي كل ذلك لدى الجيل الجديد الذي لن يسمع من ابويه سوى حكايات عن موطنهم الحالي وهو اللجؤ "طبعا" ، ومن شأن هذا العامل أن يضعف كثيرا من الرابطة المعنوية لدى الجيل الجديد بالوطن الام ، هذا إضافة الى تكيف نمط تفكير المواطن الصحراوي سوى الاني أو المستقبلي مع متطلبات الامر الواقع مما يجبره على وضع حساباته الشخصية والاجتماعية لعدة سنين قادمة متناسيا بذلك ضوابط المرحلة الاستثنائية التي نمر بها وذلك من جراء ضغوطات الامر الواقع الذي نعيشه .
وقد ينظر البعض الى فرضية الامر الواقع التي أصبحنا نعيشها بل نتفاعل معها احيانا رغما عنا بانها فرضية متشائمة في جوهرها ، وهو التصور نفسه الذي كان سائدا لدى اللاجئيين الفلسطينيين في لبنان بعد عام 1948 ، والذين شيدوا مخيماتهم على الاراضي اللبنانية في إنتظار العودة السريعة الى الوطن الاصل فلسطين ، وقد مضى على إقامتهم تلك أكثر من نصف قرن وهي فترة زمنية تعادل ضعف ما أمضاه اللاجئيين الصحراويين بالصحراء الجزائرية ، إلا أن الهدف من الاشارة أو التنويه ليس إحباط المعنويات لدى المواطن الصحراوي العادي بل للتأكيد والتحذير من تحول ذلك الامر من إحتمال الى امر واقع فعلا على الارض ، عند اذ فإن الندم قد يكون متأخرا جدا ، ولذلك وجب التحرك وعلى أعلى المستويات للخروج من الروتين الذي نعيشه حتى لا نقع في شرك " الامر الواقع" .
وبعد هذا السرد الوجيز للتاثيرات المحتملة على القضية من جراء إستقالة بيكر وصعود ثاباتيرو، فإنه من مصلحتنا نحن الصحراويين أن لا نترك قضيتنا رهينة لتجاذبات السياسة الداخلية الاسبانية ، وذلك ببناء سند قوي لها في دوائر القرار الدائمة كتأسيس "لوبي" من الشخصيات البارزة مهمته الدفاع عن القضية الصحراوية وحمايتها من خطر قد يسببه صعود اليسار أو حتى اليمين ، عندها لن نأبه إن صعد ثاباتيرو أو أي شخص أخر مادام أن القضية أصبحت في يد آمنة ، لكن يبدو أن هذا الإقتراح لن يلقى طريقه الى التطبيق العملي مادام أن سياسيينا المحنكين يمتلكون من الخبرة والتجربة في السياسة المثالية التي لاتسمن ولا تغني من جوع ، والتي كانت السبب في نكساتنا الخارجية بدءا من سحب الهند لإعترافها وصولا حتى إلى افغانستان ، هذه السياسة التي تغنيهم وأكثر عن إقتراح قد يأتي من هنا أو هناك وذلك وفق نظرية أن الاستاذ لا يحتاج إلى نصيحة ، إلا أننا ننوه هنا أن أساتذة القرن العشرين قد لا يصلح الكثير منهم للقرن الواحد والعشرين .
![]()